فوزي آل سيف
37
من قصة الديانات والرسل
بل إن ما وصلوا إليه من القوانين السليمة، أصولها موجودة في الديانات ولم يكن الإنسان بحاجة لدفع تلك الأثمان الغالية لكي يجرب الأنظمة السياسية المختلفة بمشاكلها، والأنظمة المالية والتجارية بخسائرها، والأنظمة الاجتماعية المختلفة بمشاكلها حتى يصل في النتيجة وبعد إعطاء كل تلك الخسائر. 2/ إننا نعتقد أن هناك فرقا كبيرا بين النظام القانوني الوضعي، الذي يقرره البشر على المجتمع في كماله واستيعابه، فإن البشر مهما أوتي لا يستطيع أن يحيط علما بكل المؤثرات التي تؤثر في نفس الإنسان ولا سيما منها الداخلية التي لا يمكن ـ أو يتعسر ـ ملاحظتها، ومع إغفال هذه العناصر المؤثرة لا يمكن وضع الأنظمة المتكاملة. بل أكثر من ذلك ما يرتبط بالتزام البشر بهذه القوانين، فإن القوانين المذكورة لما كانت تخاطب النظام العام، وخارج الإنسان، فإنها لا تستطيع أن تنظر إلى غير الظواهر، وحسب تعبير بعضهم (اسرق ولكن لا تترك خلفك أثرًا أو دليلًا يدل عليك) وهنا لا يستطيع القانون أن يصنع لك شيئًا! ولعل ما تتحدث عنه الصحف والوسائل الاعلامية في كل فترة من استفادة بعض العاملين من القوانين السائدة في إخفاء جرائمهم والتستر عليه (بالمواد القانونية نفسها!) يشير إلى هذا المعنى! الدين يقدم بالإضافة إلى ذلك الضابط الداخلي فضلا عن ضابط الشرطة وحامي القانون! وفي نفس الوقت الذي يقرر العقوبات باختلاف أنواعها، يبقي الإنسان في دائرة أنك ولو أتلفت المستندات إلا أن هناك شهودًا عليك ويومًا آخر للحساب يختلف في معادلاته عن المحاكم الدنيوية فيه: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)[108] وليس كتابا واحدا وإنما شهود متعددون؛ منهم (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).[109]بل يذهب إلى داخل قلب الإنسان ليكشفه ويقول: "وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ". إن هذا النظام القانوني ليس مستقلًا بل هو متصل بسائر الأنظمة، فهو متصل بالنظام العقائدي الذي يعني أن الإنسان المؤمن يعتقد بـ (بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)[110]ويتصل بالنظام العبادي الذي يجعله يصوم شهر رمضان، ممتنعًا عن الطعام والشراب والملذات سبع عشرة ساعة أحيانًا ولا أحد يراه بحسب الظاهر، ومع شدة الجوع وحرارة العطش يظل صامدًا صابرًا منتظرًا أن يحين وقت الافطار مع أنه لو أكل أو شرب لما بصر به أحد من الناس! ويمتنع عن اللذة والشهوة وقد حصلت بين يديه لأنه يتمثل موقف نبي من أنبياء الله وهو يوسف الصديق عليه السلام مع أنه قد (َرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) لكنه وقد استحضر رقابة خالقه ونعمته عليه وإحسانه إليه (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[111] إن الدين يسعى لصيانة القانون بكل هذه الجهات؛ في أصل تقنين القانون يكون القانون محيطا بكل ما هو مؤثر في المشكلة والحل لأنه من وضع الخالق للإنسان وهو يعلم (مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[112]وإلى كون هذا القانون قد جاء به الانبياء والمرسلون
--> 108 الكهف:49 109 فصلت: 20ـ21 110 العلق: 14 111 يوسف:23 112 ق: 16